الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

30

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ، وعرضه يوم أحد وهو ابن خمس عشرة فأجازه . ولا حجّة فيه إذ ليس يلزم أن يكون بلوغ عبد اللّه بن عمر هو معيار بلوغ عموم المسلمين ، فصادف أن رآه النبي صلى اللّه عليه وسلم وعليه ملامح الرجال ، فأجازه ، وليس ذكر السنّ في كلام ابن عمر إيماء إلى ضبط الإجازة . وقد غفل عن هذا ابن العربي في أحكام القرآن ، فتعجّب من ترك هؤلاء الأئمّة تحديد سنّ البلوغ بخمس عشرة سنة ، والعجب منه أشدّ من عجبه منهم ، فإنّ قضية ابن عمر قضية عين ، وخلاف العلماء في قضايا الأعيان معلوم ، واستدلّ الشافعية بما روى أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه ، وأقيمت عليه الحدود . وهو حديث ضعيف لا ينبغي الاستدلال به . ووقت الابتلاء يكون بعد التمييز لا محالة ، وقبل البلوغ : قاله ابن الموّاز عن مالك ، ولعلّ وجهه أنّ الابتلاء قبل البلوغ فيه تعريض بالمال للإضاعة لأنّ عقل اليتيم غير كامل ، وقال البغداديون من المالكية : الابتلاء قبل البلوغ . وعبّر عن استكمال قوّة النماء الطبيعي ب بَلَغُوا النِّكاحَ ، فأسند البلوغ إلى ذواتهم لأنّ ذلك الوقت يدعو الرجل للتزوّج ويدعو أولياء البنت لتزويجها ، فهو البلوغ المتعارف الذي لا متأخّر بعده ، فلا يشكل بأنّ الناس قد يزوّجون بناتهم قبل سنّ البلوغ ، وأبناءهم أيضا في بعض الأحوال ، لأنّ ذلك تعجّل من الأولياء لأغراض عارضة ، وليس بلوغا من الأبناء أو البنات . وقوله : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً شرط ثان مقيّد للشرط الأول المستفاد من إِذا بَلَغُوا . وهو وجوابه جواب ( إِذا ) ، ولذلك قرن بالفاء ليكون نصّا في الجواب ، وتكون ( إِذا ) نصّا في الشرط ، فإنّ جواب ( إِذا ) مستغن عن الربط بالفاء لولا قصد التنصيص على الشرطية . وجاءت الآية على هذا التركيب لتدلّ على أنّ انتهاء الحجر إلى البلوغ بالأصالة ، ولكن بشرط أن يعرف من المحجور الرشد ، وكلّ ذلك قطع لمعاذير الأوصياء من أن يمسكوا أموال محاجيرهم عندهم مدّة لزيادة التمتّع بها . ويتحصّل من معنى اجتماع الشرطين في الكلام هنا ، إذ كان بدون عطف ظاهر أو مقدّر بالقرينة ، أنّ مجموعهما سبب لتسليم المال إلى المحجور ، فلا يكفي حصول أحدهما ولا نظر إلى الذي يحصل منهما ابتداء ، وهي القاعدة العامّة في كلّ جملة شرط بنيت على جملة شرط آخر ، فلا دلالة لهما إلّا على لزوم حصول الأمرين في مشروط واحد ، وعلى هذا جرى قول المالكية ، وإمام الحرمين . ومن العلماء من زعم أنّ ترتيب